عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
107
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وشهادتنا عن تحقيق لأنه أنبأنا بذلك ، فحجتنا البالغة لأنها حجة اللّه لخلقه بالسعادة ، وحجة الأملاك داحضة لأنهم حكموا بالظاهر وليس للأملاك إلا الظاهر . ألا تراهم في قصة آدم كيف حكموا عليه بأنه يفسد في الأرض ادعاء أنهم مصلحون لما علموا من تسبيحهم وتقديسهم ، وفاتهم باطن الأمر الذي هو عليه آدم من الحقائق الرحمانية والصفات الربانية ، فلما ظهرت صفات الحق على آدم وأنبأهم بأسمائهم ، لأن الصفة العلمية الإلهية محيطة بهم وبغيرهم قالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا « 1 » على التقييد بخلاف آدم ، فإنه يعلم الأشياء على الإطلاق بعلم إلهي ، لأنه المراد بالعلم الإلهي ، وصفات الحق صفاته وذات الحق ذاته ، فافهم واللّه المستعان . الباب التاسع والعشرون : في الأبد الأبد عبارة عن معقول البعدية للّه تعالى ، وهو الحكم له من حيث ما يقتضيه وجوده الوجوبي الذاتي ، لأن وجوده لنفسه قائم بذاته ، فلهذا صحّ له البقاء لأنه غير مسبوق بالعدم ، فحكم له بالبقاء قبل الممكن وبعده لقيامه بذاته وعدم احتياجه لغيره بخلاف الممكن ، لأنه ولو كان لا يتناهى فهو محكوم عليه بالانقطاع لأنه مسبوق بالعدم ، وكلّ مسبوق بالعدم فمرجعه إلى ما كان عليه ، فلا بد أن يحكم عليه بالانعدام ، وإلا لزم أن يساير الحق تعالى في بقائه ، وهذا محال ولو لم يكن كذلك لما صحت البعدية للّه . واعلم أن البعدية والقبلية للّه تعالى حكميان في حقه لا زمانيان لاستحالة مرور الزمان عليه ، فافهم ما أشرنا إليه ، فأبد الحق سبحانه وتعالى شأنه الذاتي باعتبار استمرار وجوده بعد انقطاع وجود الممكن . واعلم أن كل شيء من الممكنات له أبد ، فأبد الدنيا بتحوّل الأمر إلى الآخرة وأبد الآخرة بتحوّل الأمر إلى الحق تعالى ، ولا بد أن يحكم بانقطاع الآباد ، آباد أهل الجنة وآباد أهل النار ؛ ولو دامت وطال الحكم ببقائها فإن أبدية الحق تلزمنا أن نحكم على ما سواه بالانقطاع ، فليس لمخلوق أن يسايره في بقائه ، وهذا الحكم ولو أنزلناه في هذا الكلام بعبارة معقولة فإنا قد شهدناه كشفا وعيانا ، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 2 » .
--> ( 1 ) آية ( 32 ) سورة البقرة . ( 2 ) آية ( 29 ) سورة الكهف .